الأحد، 28 فبراير، 2010

ظاهرة إستدمين
محاولة لرسم أبعاد المفهوم
(2)

إستدمين، قول مفهوم، حتى بعد الترجمة، مع ما فقده الكلام من دلالته بسببها، فيحكي أن أحد الضباط الفرنسين، كان يمثّل الإدارة الفرنسية أيام الإستعمار في دائرة المذرذرة، وكان متميّزا في سوء معاملة الناس، ثم حوّل إلى "إندر"، وذات يوم، كان في طريقه إلى مكتبه، ومعه ترجمانه، فلقي في الشارع رجالا من أولاد ديمان، كانوا عرفوه في المذرذرة وعرفهم فيها، فسلّم عليهم وسألهم في شبه ملاطفة على لسان ترجمانه: "شمّاسيا المذرذرة أمع الحمّان ؟"، فقالوا له: "بردت أوراكم" .. ولم يتشبّث بمدلول العبارة الذي يتعلق بحالة الجو، بل تجاوزه إلى مدلوله الآخر، وكان له أثر في نفسه.

وأما كون جانبه الفعلي يحمل بعض مظاهر الهزيمة، كالحلم والصبر مثلا، فمردود بكون الحلم والصبر خلقين محمودين شرعا وطبعا، ولا يصح تعليلهما بالهزيمة لأنهما يتخلّفان عنها وتتخلف عنهما وليس هذا من شأن العلّة، فقد يوجدان دونها، وقد توجد الهزيمة وتورث المهزوم عصبية زائدة وحدة مفرطة كما يشهد له العيان.

وإذا تمهّد أن إستدمين سلوك في الأقوال والأفعال، فلا يمكن تجاهل أثر النسب والمحيط والبيئة، في ترسيخ هذا السلوك وإشاعته في جهة معينة أو مجتمع معيّن بمقتضى العدوى الإجتماعية، وهذا حكم أغلبي، قد يتخلف .. فقد يوجد بين المجتمع المستدمن من ليس مستدمنا، وقد يوجد إستدمين في غير بئته المعهودة.

أتذكّر أنني سمعت في القسم العربي من إذاعة لندن، أن أسرة فرنسية في الريف الفرنسي ذهبت إلى الأصطبل "محل بيع الخيول" لتشتري جوادا، فتلقاهم بعض أصحاب الإصطبل بجواد، وأطراه كثيرا، ومن جملة ما قال في إطرائه مخاطبا الوالد، لو ركبته من هنا الآن، لأتيت إلى باريس قبل حلول الليل، فتجاوزه من غير تعليق، فسأله أهله، لماذا لم يشتريه .. فأجابهم بأنه لا يريد أن يأتي إلى بريس قبل حلول الليل، وهذا أشبه شيء لإعراض أولاد ديمان، الذي يحمل في طيّاته تحفظا على ما قد يقع من إطراء ومبالغة وتهويل ومزايدة.

ومن هذا المنطلق، فإن إستدمين يختلف من شخص لآخر، كإختلاف الطباع، والمستوى العقلي، حسب القسمة الأزلية، فقد يكون شخص مستدمنا مثلا، ويكون إبنه غير مستدمن، وقد يقع العكس، وباب إستدمين مفتوح، يدخل منه كل من أراد أن يكون مستدمنا، ويخرج منه كل من أراد أن يكون غير مستدمن.
ولإستدمين مرادفات، بإعتبارات مختلفة، يطلق عليه إعتبار النضج الإجتماعي "الطيب"، وبإعتبار المكان "إتكيدي" وبإعتبار المناخ الطبيعي "طبع أهل أيروار"، وقد يسمّى بعض الناس-ممن عرفه عن بعد- جانبه القولي "إفليّح أولاد ديمان ".

كاتب يكتم إسمه

الأربعاء، 24 فبراير، 2010

تدشين كهرباء التاكلالت


أشرف السيد كامرا موسى سيدو بوبو، وزير التجهيز والنقل، وزير الطاقة والبترول وكالة، على تدشين شبكة كهربائية في بلدية التاكلالت، التابعة لمقاطعة المذرذرة.


وأكّد الوزير خلال حفل التدشين أن "تنمية التجمّعات السكّانية في داخل البلاد، تشكّل شاغلا كبيرا لرئيس الجمهورية، السيد محمد ولد عبد العزيز، الذي أطلق مسار تشييد البنى التحتية في المناطق الداخلية، خاصة منها تلك المتعلقة بالماء والكهرباء والطرق والإتصالات، ويسهر شخصيا على ترقية نفاذ جميع المواطنين، أينما وجدوا ومهما كانت قدرتهم الشرائية ومستوى نفاذهم الى الخدمات القاعدية".

وأضاف الوزير، أن هذا المشروع، الذي تستفيد منه مجموعات قروية تقدر ب 24000 مواطن، بشكل مباشر، سيفتح آفاقا جديدة على طريق المسار التنموي الإقتصادي والإجتماعي، من خلال خلق فرص تشغيل، والرفع من مستوى حجم إلإنتاجية، ونوعية المنتوج، وكذا الإطار المعيشي للسكان بشكل أوسع.
وشكر الوزير، مندوبية الإتحاد الأوروبي، على دعمها القيّم، وتعاونها المثمر مع موريتانيا.

أما سعادة السيد هانز جورج جريستلا تلور، السفير مندوب الإتحاد الأوروربي في نواكشوط، فقد كشف عن أن مندوبيته ساهمت في تمويل هذا المشروع بما قدره 47% من كلفته، سعيا منها الى تقليص الفقر، وترقية التنمية الإجتماعية والإقتصادية المستديمة، من خلال ضمان ولوج 20 تجمعا قرويا على مستوى خمس ولايات إلى الخدمة القاعدية للطاقة.

وأوضح الديبلوماسي الأوروبي، أن الإتحاد الأوروربي، يساهم في كهربة هذه التجمّعات، بغلاف مالي قدره أربعة ملايين أورو، وأنه يساهم كذلك في تمويل مشروعين آخرين بولايتي غورغول و لبراكنة.

أما السيد الناني ولد أشروقه، المدير العام لوكالة ترقية النفاذ إلى الخدمات القاعدية، فقد لاحظ أن المشروع يتنزّل ضمن برنامج النفاذ إلى خدمات الماء والكهرباء، الذي يشكّل أحد المرتكزات الأساسية لبرنامج رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد عبد العزيز، الذي تشرف على تنفيذه حكومة الوزير الأول، الدكتور مولاي ولد محمد لقظف.

وقال إن مشروع الكهربة، يشمل 20 تجمّعا سكانيا، تستفيد كذلك من منحة أوروبية بمبلغ مليار أوقية، ضمن برنامج تسهيل الطاقة، الممول من طرف الإتحاد الأوروبي لصالح بلدان مجموعة إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي.

ونبّه مدير وكالة ترقية النفاذ الشامل إلى الخدمات القاعدية، إلى أن آليات التمويل المنتهجة من طرف الإتحاد الأوروربي، عقب قمة الألفية للتنمية المستديمة، يتم تنفيذها على مراحل، وتسمح بمشاركة الهيئات والمنظمات العاملة في مجال الطاقة في البلدان المعنية، مذكّرا في هذا الإطار، بأن المرحلة الأولى من هذا النظام تم خلالها تزكية ثلاثة مشاريع موريتانية، من ضمن 75 مشروعا إنتقاها الإتحاد الأوروبي، من أصل 300 مشروع، قدّمت للحصول على التمويل.

السيدة حسينة بنت محمد فال، مساعدة عمدة التاكلالت، ثمّنت في كلمة لها بالمناسبة هذا الإنجاز، الذي قالت إنه يجسّد حرص رئيس الجمهورية على توفير أسباب الرفاه للمواطنين، من خلال ضمان ولوجهم إلى الخدمات الأساسية.

وقد أعطى الوفد الوزاري إشارة الإنطلاق لتشغيل المنشأة الكهربائية، التي تتكون من مولّدين كهربائيين، وشبكة توصيل بطول 12 كيلومتر، وبجهد متوسط.

وخصّص سكان التاكلالت للوفد الوزاري، إستقبالا "حارا"، يعكس إرتياحهم لهذه الإنجازات الحيوية. وجرى التدشين، بحضور الأمين العام لوزارة الطاقة والبترول، ورئيس مجلس إدارة وكالة النفاذ الشامل إلى الخدمات القاعدية، ووالي الترارزة، وحاكم المذرذرة، والمنتخبين المحليين.


mederdratoday@gmail.com
تدشين كهرباء التاكلالت
صور خاصة بالمذرذرة اليوم



السبت، 20 فبراير، 2010

ظاهرة إستدمين
محاولة لرسم أبعاد المفهوم
(1)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه

إستدمين، ظاهرة إجتماعية، تقوم على أسس من الظرافة وعمق التفكير والطرافة، ومكارم الأخلاق .. من صبر وأثارة وضن للنفس، وحلم وتؤدة وإجتناب لما يستثقل عند أصحاب الذوق السليم -وما أكثره- وبهذا يتضح أنها لا تقتصر على التعبير، بل ربما كانت أكثر تجلي في الأفعال والتروك، خلافا لما يتصوره البعض، وهو تطور وإستمرار لظاهرة "إتشمش" وفرع منها، ومن شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة عليه، و"إتشمش" وإن كان بدأ يتوارى بحجاب الزمن عن الذاكرة الإجتماعية، كان مبنيا على أسس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدي الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم، كما يرشد إليه ميثاق "تشمشه" الواقع على مضامين قوله تعالى "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" إلى آخر سورة الفرقان.

ولعل هذا يساعد في حل إشكالية تاريخ بروز هذه الظاهرة إلى الوجود، وإحتمال كونه من نتائج "شر ببّ" فما كان منه من باب الأقوال يكون المراد منه التعمية، وما كان منه من باب الأفعال، كالحلم والصبر مثلا، فهو من مظاهر الهزيمة مردود من وجوه.
أما من الناحية التاريخية، فإن سيد الفالّي بن محنض بن ديمان، الذي توفي قطعا قبل الحرب، كان قاضيا لتشمشه بإجماع منها، ولم تقع في حياته مرافعة بإستثناء حالتين أوقع صلحا فيهما بين أصحابهما ليلا خارج "لفريك"، وهذا يدل على الإبتعاد عن التشاح في متاع الدنيا والتستّر بالمرافعة بعد اللجوء إليها، بإعتبار أنها تخدش السلوك السائد، وكل ذلك "مشمش " و"مستدمن"، والفالي بن باب احمد بن يعقوب بن ديمان، حكيم الزوايا، ورائد إستدمين، وصاحب الكلمات الباقية، والحكم الخالدة .. عاصر الحرب.

وأما كونه في جانبه القوي، تقصد منه تعمية الكلام على الخصم، ومردّه أن إستدمين القولي مفهوم عند من يفهم مقاصد الكلام غالبا، بأي لغة كان، وما يتوفر في "الحسانية" من الآليات اللغوية، بحكم كونها فرعا من اللغة العربية، ذات الخصائص البلاغية، من تورية، وإستعارة، وتشبيه، ومشاكلة، وتصحيف مقصود، مما يخدم إستدمين القولي، لا يكاد يوجد في غيرها.

وقد وجد "إستدمين" بنوعيه، عند حسان، خاصة في بيوتات الإمارة، من أولاد أحمد بن دمان، حيث تسمو الأخلاق، ويرجح العقل، فيحكى أن بعضهم كان له إبن سيد، ولقيّه من أعجب بسيادته، فسأل عنه والده ليتعرّف عليه، وهو لا يعرف أنه والده، فأجابه بأنه لم يتعرّف على شباب أولاد أحمد بن دمان، فلو لم يكن "مستدمن" لقال له "هذا الطفل أولدن، أوخايف من العين و...." وبذلك يكون خارقا لدستور"إستدمين" الذي يحظر تفخيم الشخص لنفسه، وأهله، وولده، وعلمه، وماله، قال بعض من تعرّض لنظم هذا الدستور:

ذي وأنت في تفخيم دينك ملوم
والصهر والمال وجسم وعلوم
وأنت في تفخيم نفسك ملوم
والأهل والمال ونجل وعلوم
------------
كاتب يكتم إسمه
-----------
mederdratoday@gmail.com
المذرذرة والملاريا

أفاد مراسل "المذرذرة اليوم" في مدينة المذرذرة، أن السلطات الصحية، قامت بتوزيع مجموعة من الناموسيات المشبعة على ساكنة عاصمة المقاطعة فى إطار المساعى الرامية للتصدّى لمرض الملاريا.

وأكد المراسل أن الناموسيات وزّعت على الأطفال، وشمل التوزيع غالبية السكان.

يذكر أن المذرذرة عانت خلال السنوات الأخيرة من إنتشار كبير للباعوض، وهو ما تسبّب فى ظهور مرض الملاريا فى المقاطعة، التى ظل سكانها وإلى وقت قريب لايميزون بين أنواع وصور الباعوض.

ويرجع سكان المذرذرة إنتشار الباعوض فى المقاطعة إلى إزدياد عدد التعاونيات النسوية فى المقاطعة، وعدم مرافقة ذلك بإجراءات نظافة ومجاري، للوقاية من الباعوض المسبب لمرض الملاريا.

mederdratoday@gmail.com

الخميس، 18 فبراير، 2010

محمد المختار ولد الهلال

إنتقل إلى جوار ربه، الأخ والزميل العزيز، محمد المختار ولد الهلال، اليوم في نواكشوط، بعد أزمة قلبية مفاجئة.

وعرف الفقيد محمد المختار ولد الهلال بدماثة الأخلاق، وبالكرم والمروءة .. وهو من مواليد قرية التاكلالت، بمقاطعة المذرذرة، وعمل موظفا في الوكالة الموريتانية للأنباء، إلى أن وافاه الأجل المحتوم اليوم، حيث تم نقل جثمانه، ليدفن في مسقط رأسه، بقرية التاكلالت.

وبالمناسبة يدعوا فريق المذرذرة اليوم، الله للفقيد، الرحمة والغفران، وفسيح الجنان، كما تتقدّم المذرذرة اليوم، بأحرّ تعازيها لأسرة الفقيد، ولأهل التاكلالت، ولأهل المذرذرة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

mederdratoday@gmail.com

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

ذكرياتي مع المدرسة الأولى

نشأت في حي ملكاش، أصحو على ثغاء "جديان أهل يريكيت"، وأستنشق دخان مخبزة أهل الصبّار، وقت الضحى، وأمسي على أذان المرحوم أنمراي ولد محمود، من المسجد الجنوبي (مسجد ححام).
وبين ذاك وذاك أرتاد مدرستي الأولى (المدرسة رقم 1)، تلك المدرسة التي تعلّقت بها قبل سن التمدرس، وكنت أحشر نفسي بين تلامذة الصف الأول، متأبطا كتابي (كتابك يا ولد)، وكلما شاهدني مديرها المهيب (السيد محمد ولد بوهم) صرخ في وجهي: إذهب إلى أهلك ليبحثوا لك عن "حكّامة" .. وفي أحد الأيام، وبينما كان التلاميذ مصطفّين لصلاة العصر، والمدير من ورائهم يراقب حركاتهم وسكناتهم، تحولت تلك الكلمات إلى صفعة ...
وفي السنة الموالية تحقق الحلم، وأصبحت تلميذا رسميا، لكنه كان منقوصا، فقد ألغي الكتاب الذي كنت أزدهي به على بقية التلاميذ (كتابك يا ولد) ليحل محله كتاب الشامل.

لقد صعب علي أن لا يحفل أحد بكتابي المليء بالصور والألوان .. وأي معلم حظينا به ذلك العام إنه المرحوم الفاضل دداه ولد عبد الملك، والذي ظل يدرّسني حتى السنة الثالثة، وكان ذلك في المبنى الجنوبي المهدد بعاديات الدهر .. ذات مرة سجّلني رئيس القسم من بين المشاغبين، فشرعت أصرخ من شدة الخوف، إلى أن حضر المعلم الفاضل، فهدّأ من روعي وهددني، إذا شاغبت مرة أخرى، بأن يكتب إسمي بأصبعه على كفه كتابة لا تنمحي أبدا ! ولسوء حظي شاغبت مرة أخرى، ونفذ وعيده، وكانت الطامة .. فبعد إنتهاء الدوام، تعلقت بكمه وأنا أبكي وأتوسل بأن يمحو إسمي من كفه، فظل يمسح بسماحة لا نظير لها كفه بكفه، وبقيت مقتنعا بأن الإسم لم يزل مكتوبا إلى أن أقسم بأنه قد إنمحى !
لقد كان الرجل حليما عظيما مهيبا ومؤثرا في تلاميذه، ولا أزال أجد في نفسي بعضا من معالمه، في تعاملي مع تلاميذي ومع طلابي.
وفي السنة الرابعة، وفي نفس المبنى، حوّلت إلى مدرسة أبكاك، وكان معلّمنا السيد الفاضل محمذن ولد عمر، وكان للفصل ديكوره الخاص .. صندوق حديدي مزركش بأهلة حمراء، له صرير صباحي مميز، لوحات، مساطر صفراء، دفاتر وكتب، وحبل أخضر، ودرّة عمرية، وأشياء أخرى.
وكان معلّمنا "متين اليد"، لا يضع درته عن كتفه، كثيف العطاء، حريصا على الوقت، ذات صباح قدّم لنا درسا في العقيدة، عن البعث وإخراج الناس من القبور، وأشفعه بدرس في العلوم عن النحلة وما تفرزه، ثم طلب منا إدخال بعض الكلمات في جمل، وكان من بينها عبارة "أفرز"، فجمعت بين الدرسين وكتبت "يفرز الله الناس من قبورهم يوم القيامة"، ولما أتيته بالدفتر ليصححه، رأيته ولأول مرة يبتسم إبتسامة عريضة مشرقة، وحاول أن يفهمني أن عبارة أفرز، وإن دلّت على الإخراج، لكن لا يصح إسنادها إلى المولى عز وجل.

طبعا لم أفهم ذلك، وبعد سنوات .. وبعد أن أكملت كل مراحل دراستي في المذرذرة ثم في جامعة (...) جمعني نقاش مع أحد المثقفين ممن تعرفت عليهم في الغربة، أثناء تحضير الدكتوراه، وكان قوي الشعور بالإنتماء إلى جهته، وتشعّب الحديث، إلى أن بدأت أشعر بأن صاحبي بدأ يتعالى علي، ويدّعي بأنه بحكم الجهة أكثر عمقا، حضاريا وثقافيا من غيره، فسألته متى بنيّت المدرسة التي تخرجت منها ؟ فأجاب مع بداية الثمانينات .. فقلت له -ولم يكن يصدق- أما مدرستي فقد بنيت منذ قرابة قرن من الزمان .. عندها قطعت جهيزة قول كل خطيب.

لكن "جهيزة" اليوم بحاجة إلى كل الخطباء ليعرضوا قضيتها في محافلهم، قبل أن يصيبها ما أصاب ذلك السجن الذي تشرّف بأن نزل فيه ذات مرة العلامة والشاعر إمحمد ولد أحمد يوره، ثم تحولت لبناته بكل بساطة إلى أرضية لإحدى البقالات.

بباه ولد أمين ولد الداهي

mederdratoday@gmail.com

الثلاثاء، 16 فبراير، 2010

العبودية وإشكالية الوهم والسهو

يبدو أن صرخات المظلومين، مع صيحات الناصحين، لم تزد أسياد العبيد والسلطات "الحاضنة" إلا تماديا في الإصرار على التغاضي عن الجـُـرم. فإلى متى و"النعامة" السائبة تدفن رأسها أمام كل التحديات الكبرى!.. ومتى سننتبه إلى أن السفينة المهترئة تتجه بالبلاد نحو غرق لا محيد عنه في ظل تبسيط معضل العبودية ؟ ..
مسألتان تشكلان حائطا يفتأ يتحطم عليه كل وعي بخطورة هذا المعضل المزلزل قريبا: جنونُ الوهـْـم وسُـكــْـــر السهو.
وَهـْـم القوة الخارقة مسيطر على العقول تراكميا بحيث يمنع أي تحليل للواقع .. وهـْـم القوة الخارقة يشل التفكير في أسباب تغيير موازين القوة ذاتها .. إنها ثقافة متراكمة متراصة من الوهم المانع لكل تفكير في الكفة الديموغرافية المائلة أو الصائرة إلى مَـيـَـلان حتمي .. وهـْـم يجعل ملاك العبيد والسلطات المتعاقبة يتصورون أنفسهم غولا قادرا على البطش تحت كل الظروف دونما نظر إلى القفزات النوعية والكمية لمجتمع الضحايا المظلومين.
وأما السهو ففي التقاتل على السلطة، والإستئثار بها، وحبها المفرط، والإصرار على ما تخوله من إحتكار للثروة والجاه .. بينما يُجَمـّـد المهيمنون عقولهم في ثلاجة التعالي، غير متسائلين عن فائدة السلطة، ومعنى الدولة نفسها، إن لم تكونا لحماية وجود ومصالح الأجيال ؟؟ (ذلك ما إستوعبه نظام لابارتايد، ففضّل حياة الجميع على موت الجميع) .. لست أقارن نظاما بنظام، ولا مجتمعا بمجتمع .. لم يعد الوقت كاف لإجراء مقارنات وإنشاءات من هذا القبيل، لكنه كاف لأن نستنبط من تاريخ الشعوب، فنفهم أنه خير لنا أن نـُـخـَلــّــف للأجيال القادمة تحابُــبا ونفطا يتجمع، من أن نخلف لهم تباغضا ودماءا تتطاير.

العبودية -مهما قال المحافظون- موجودة .. وآهات العبيد -مهما تصامم الآمرون- مسموعة .. ففي الأرياف نجد أرقاء خانعين، وفي بعض الدوائر الدينية نرى عبيدا قانطين إلا من جنة مغلوطة أسبابها .. ولدى بعض القبائل والأسر والمشيخات ثمة عبيد مُـنـَـوّمون. ورغم ذلك تمتنع السُّـلــَــط، كل السلط، في كل الأزمنة (ولأسباب مبهمة غريبة) عن مواجهة هذا الواقع المر؛ فلا تـُـجَـرّم ممارسا للرق، ولا تسجن مالكا للعبيد، ولا تنتزع عبدا مسترقا، ولا تدمج ضحية واحدة .. تصاممٌ أغرب من الخيال؛ خاصة أنهم لو أنفقوا في حل معضل العبودية نصفَ ما ينفقون في إنكار وجودها لحلوها وأراحونا برميهم لهذا الإرث وراء ربوة النسيان.

كم ورّطـنا رجال الدين الأوائل حين جعلوا من العبودية ما يشبه "الطابو"، يـُـحظر الحديثُ عنه بغير ما يؤكده .. حين صنعوا منه أيديولوجية مقدسة، تنزل بمجتمع بأكمله إلى مجرد أدوات للإنتاج .. حين لم يقولوا للعامة إن العبد في بلادنا لا علاقة له بعبد الشرع، وأن أصله الخطف والغزو والشراء .. أي كل ما هو بعيد من الجهاد شكلا ومضمونا.
كم جنوا علينا لمّا لم يتجاوزوا أنانيتهم، بالتأكيد على أن الزهّاد العارفين، إذا لزمهم تحرير رقبة، يتورعون عن عتق عبد أسود، لأن الجهاد لم يصل الأمم السوداء، وبالتالي لا يوجد عبد أسود بالمعنى الشرعي، وحتى في عصر الفتوحات، وفي صدر الإسلام وما أعقبه، فالغالبية العظمى من العبيد بيض. فما كان أبسط أن يقول لنا الفقهاء الموريتانيون إن الجهاد إستهدف شعوبا بيضاء كالفرس والروم والصقالبة والترك والأقباط، وأن كل العبيد (من أسرى الجهاد) كانوا من هذه الشعوب، وأنه بالتالي لا وجود للعبد الأسود.
ومن ألقى نظرة على الموروث العربي (الديني والأدبي) فاجأته جمل وعبارات من قبيل .. "كانت أمّـه جارية سوداء"، و"أرسل عبده الأسود فتعقــّـبه وقتله".
إنه منطق الندرة .. فلو شكّل العبيد السود غالبية لما إحتاج الروّاة إلى تحديد لونهم.
والحقيقة أنهم نادرون بالمقارنة مع العبيد البيض لدرجة جعلت تحديد لونهم ضروريا.
ألم تتحدث بعض المصادر عن أن غنائم موسى بن نصير، في عهد الدولة الأموية (سنة 91هـ) بلغت في أفريقية (تونس حاليا) 300.000 "رأس" من السبي (ما بين البربر والبيزنطيين)، فبعث خمسها إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك، وإستقدم معه إلى دمشق 30.000 جارية بيضاء عذراء من الأسر القوطية النبيلة ؟ .. ألم تكن لدى الخليفة العباسي، المتوكل، أربعة آلاف جارية بيضاء ؟ .. أليس من المعروف أن الألمان (لبروسيين خصوصا) كانوا يغزون شرقي أوربا فيأتون بآلاف الأسرى السّْـلافيين فيبيعونهم في أسواق الأندلس، ومنها يدخلون البلاد العربية كعبيد وإيماء، أبعد ما يكونون من سواد البشرة ؟ .. وما معنى أن يقول عبد الملك بن مروان: "من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية، ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية" ؟ .. واضح جدا أنه لا مجال للجاريات السوداوات: لندرتهن أولا، وإحتراما لشريعة لم تستعبدهن ثانيا.
ولعل في ثقافة تفسير الأحلام لدى العرب والمسلمين ما هو أنصع كمثال؛ إذ يقولون إن "الطست في المنام عبارة عن جارية، فمَن رأى أنه يستعمل طستاً من نحاس فإنه يشتري جارية من الترك، فإن كان الطست من فضة فإن الجارية رومية جميلة، وإن كان من زجاج فإن الجارية صقلبية، وإن كان من ذهب فهي إمرأة حرة جميلة، تطالبه بما لا يطيق من النفقة فينفقه كرهاً".. أين الجواري السوداوات إذن ؟ .. لا أثر لهن (تقريبا) في اللاوعي العربي الإسلامي القديم، لأن ملكهن -ببساطة- لم يكن شرعيا، وإن شـُـرّع لاحقا بإستخدام نفس المبررات الدينية المانعة له.

تاريخ الدولة الإسلامية مليء بالأمثلة المؤكدة لغياب العبد الأسود في الإسلام؛ فالخليفة العباسي الأول (أبو العباس السفاح) أمُّه جارية أفغانية، والخليفة الثاني أبو جعفر المنصور أمه جارية بربرية. والخليفة الرابع (أبو محمد موسى الهادي بن المهدي) أمه جارية بربرية إسمها الخيزران، والخليفة هارون الرشيد أمه الجارية نفسـها (الخيزران). والخليفة أبو جعفر هارون الواثق بالله أمه جارية رومية إسمها قراطيس، والخليفة أبو جعفر محمد المنتصر بالله، أمه جارية رومية إسمها حبيشة، والخليفة أبو عبد الله محمد المعتز بالله أمه جارية رومية لقبها قبيحة، والخليفة أبو العباس أحمد المعتمد على الله أمه جارية رومية إسمها فتيان، والخليفة أبو محمد علي المكتفي بالله بن المعتضد أمه جارية تركية إسمها جاجيك، والخليفة أبو الفضل جعفر المقتدر بالله أمه جارية رومية إسمها شغب، والخليفة أبو العباس محمد الراضي، أمه جارية رومية اسمها ظلوم، والخليفة أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله أمه جارية أرمنية لقبها بدر الدجى، والخليفة أبو المظفر يوسف المستنجد بالله أمه جارية كردية إسمها طاووس، والخليفة أبو محمد الحسن المستضيء بأمر الله أمه جارية أرمنية إسمها غضَّه، والخليفة أبو العباس أحمد الناصر لدين الله، أمه جارية تركية إسمها زمرد، والخليفة أبو جعفر المستنصر بالله أمه جارية تركية .. كذا المتوكل فأمه جارية من خوارزم، والمستعين أمه "مخارق"، جارية رومية.
ومعروف أن أمهات جل أئمة الشيعة الإثنى عشرية كن جوار بيضاوات؛ فأم أبو محمد علي بن الحسين العدل جارية إسمها شهربانويه بنت يزدجرد بن شهريار، وأبو القاسم محمد بن الحسن، أمه جارية إسمها نرجس بنت يشوعا بن قيصر (ملك الروم)، وكذلك السلطان يعقوب المنصور (أبرز ملوك دولة الموحدين) أمه جارية رومية إسمها سحر، وهلمّ جرا.
لم يقل لنا الفقهاء الموريتانيون، إن العبودية حرام بمنطق المصلحة العامة (فالشرع جاء للحفاظ على المصالح البشرية)، ولم يقولوا لنا إن العبودية في بلادنا على وجه الخصوص حرام لأن العبد الأسود غير موجود بالمعنى الشرعي المبني على فقه الجهاد.
فالإسلام في هذه الربوع دخل عن طريق القوافل أساسا، فلم تشهد البلاد أي جهاد غير بدايات المد المرابطي وعمليات مسلحة عرفتها التخوم (فطالت ضفاف النهر) على يد جيوش الحاج عمر تال، فأما المرابطون فإستقروا في المغرب والأندلس (بعيدا عن أرض السود على الأقل)، وأما الفوتي فقد هاجم بالفعل عددا كبيرا من القبائل الزنجية الوثنية، وأخذ من أبنائها عشرات الأسرى (ما لا يزيد على الخمسمائة في مناوشات ومجابهات متفرقة)، ولا أحد يشك في أنه إتخذهم عبيدا وباعهم في أسواق النخاسة .. لكن لمن ؟ .. سؤال جوهري للتأكيد على أن عبد الشرع لم يوجد قط في بلادنا، ففي أيام غلبة الفوتي كانت أساطيل البرتغاليين تجوب شواطئ المحيط في أوج إزدهار تجارة الرقيق، ولم يكن بمقدور "البيظان" أن ينافسوا أثمانا باهظة يقدمها البرتغاليون لشراء "أسرى الفوتي"، بل لم يكن بإستطاعة أي منهم حتى منافسة الأوربيين في مجرد العـُـمولات والهدايا التي يمنحون لوسطائهم من الزنوج أنفسهم، الذين يشكلون جسرهم التجاري نحو الفوتي، وبالتالي فإن كل العبيد -ممن سقطوا أسرى في يد الفوتي- هـُـجّروا للعمل في ضيعات بأمريكا، ومزارع في البرازيل، وبقي عبيد هذه البلاد مجرد جماعات غير محظوظة من ضحايا الخطف والتبادل التجاري مع زنوج الجوار (وبالطبع كانت البضاعة أطفالا ومراهقين مسلمين).

ومهما يكن فإن حل معضل العبودية بات ملحا .. وليس منــْـــــعُ تمديد جواز سفر المناضل بيرام ولد إعبيدي إلا تخبـُّطا أعمى، وإحتقارا حقيرا لوضعية تزداد سخونة وخطورة. إننا نعيش على مشارف هاوية مدلهمة، نتخبط بين طين السلطة ومستنقع الثروة، نشرب من كأس وهـْــم القوة والسهو (في مطبات السلطة) خمرا يكاد سـُـكرها يعصف بالتعايش السلمي ورغم ذلك لا أحد يصرخ: "واعَـدالتاهُ، وامـُـسْــتقبلاهْ".

محمد فال ولد سيدي ميله

mederdratoday@gmail.com

الاثنين، 15 فبراير، 2010

تعيينات

أعلن مجلس الوزراء، خلال إجتماعه الأسبوعي الأخير، تعيين الدكتور محمد الخامس ولد سيدي، أمينا عاما لوزارة الصيد والإقتصاد البحرى.

يشار إلى أن السيد محمد الخامس ولد سيدي، شخصية سياسية معروفة فى المذرذرة، رشّح سابقا من طرف حزب التكتّل، لمنصب شيخ المقاطعة، وهو محام معتمد لدى المحاكم الموريتانية، وأستاذ بجامعة نواكشوط.

وفى سياق آخر، أعلن عن تعيين العمدة السابق لبلدية تكند، السيد بننّه ولد الشريف، رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة إعادة إعمار مدينة الطينطان.

mederdratoday@gmail.com

الأحد، 14 فبراير، 2010

الإسلاميون واليسار

نشر مؤخرا مقالان .. أولهما بعنوان "الإسلاميون والهم الوطني"، والآخر "تعليقا" على المقال السابق.

تناول المقال الأول موقف اليساريين الموريتانيين من الإسلاميين الموريتانيين، وأعطى أمثلة، ببعض مواقفهم من "الإنجازات والمواقف" السياسية الأخيرة، خاصة وساطة الشيخ محمد الحسن الدّدو، التي حلّت مشكلة رجال الأعمال الثلاثة، ودوره في إنجاح الحوار مع السلفيين، ودور رئيس حزب تواصل، السيد جميل منصور، في الدفاع عن الزميل حنفي ولد دهاه.

أما المقال الثاني .. فعلّق صاحبه على أهم النقاط التي تناولها المقال الأول، وبيّن خطأ أغلب المعلومات والتعميمات الواردة في المقال، كما أكد على جوانب الإلتقاء بين الإسلاميين واليساريين الموريتانيين، وعلى أن مايجمعهما أكثر بالتأكيد مما يفرقهما، وأن المقال جاء -وبغض النظر عن مضمونه- في الوقت الخطأ.

حاولت عدم إكمال المقال الأول، لطبيعته السردية المفصّلة، ولضيق الوقت، لكن النقاط الحسّاسة، والتعميمات الجاهزة، التي توالت .. دفعتني لمواصلة القراءة، وخلقت لدي رغبة جامحة في الرد على التناول النمطي الذي طبع المقال، والذي فسّره صاحب المقال الثاني بعامل البعد عن الساحة، وهو تفسير موفّق حسب رأيي، تنضاف إليه خلفية إيديولوجية نمطية جامدة، نجدها للأسف عند بعض ناشطي ومتعاطفي كل من الإسلاميين واليساريين الموريتانيين .. تفوح روائحها من المقال المعني، كما تفوح من مقالات بعض الزملاء اليساريين، المنشورة على "تقدّمي" وعلى بعض المنتديات، والتي تدل على نقص في مستوى النضج، وضعف على مستوى النقد والتطوير الذاتي، في وقت حسّاس يمر به البلد سياسيا وإجتماعيا وعرقيا وإقتصاديا .. "نحن فيه بحاجة إلى جمع الحسابات، أكثر من حاجتنا إلى تصفية الحسابات" ..

وساطة الشيخ محمد الحسن ولد الدّدو الناجحة، لحل مشكلة رجال الأعمال، ودوره الإيجابي في الحوار مع السلفيين، لا تدخل بالتأكيد في إطار الحسابات الحزبية الضيقة، أو الإستعراضات الإيديولوجية، وإنما هي –وحسب معرفتي بالرجل- رغبة شاملة في الإصلاح، وفي تجاوز الأزمات التي –وبالتأكيد- لايتحمّلها البلد، كما كانت فرصة مناسبة للتعبير عن النوايا الحسنة، والرغبة في التقارب والإنسجام بين كل الأطراف الوطنية، والتأكيد على تجاوز الماضي .. خاصة الطائعي.

أما سعي رئيس حزب تواصل، السيد جميل منصور، لإطلاق سراح الزميل حنفي ولد دهاه، فهو بالتأكيد نابع من قناعة مبدئية بحرية التعبير، وحق الإختلاف .. وليس من باب الدعاية السياسية ولا المزايدة الإيديولجية.

وبخصوص موضوع "لمراح" .. فمن المستبعد أن يكون ضمن مصطلحات قادة اليسار، أو من إهتمامات قادة الإسلاميين .. وإن تحدّثوا عن حوار أو مشاركة في حكومة .. فهو بالتأكيد من باب الإصلاح والمشاركة الإيجابية إن توفرت الظروف والشروط المناسبة، لا من باب الغنيمة أو المواقع.

وبخصوص نضال اليسار الموريتاني اليوم .. فلا تمكن المزايدة عليه، وعلى دوره في السعي لإستقلال القرار الوطني، وفي النضال من أجل ديموقراطية حقيقية، تتجاوز الديكور والإستهلاك المحلي، إلى مؤسسات وثقافة حقيقية وراسخة .. عبّرت عن ذلك نضالات النائب المصطفى ولد بدر الدين، تحت وخارج قبة البرلمان .. وعبّرت عنه -من زاوية أخرى- مساهمات ونضالات الزميل حنفي ولد دهاه، سواء على فضاء "تقدّمي" الطلق، أو وراء القضبان الجامدة.


إن تجاوز ناشطي وقواعد ومتعاطفي، الإسلاميين واليساريين الموريتانيين، للخلفيات الإيديولوجية الجامدة، وللمواقف النمطية الجاهزة، أصبح ملحا أكثر من أي وقت مضى .. تفرضه اليوم التحديات والتهديدات الحقيقية التي تهدد مستقبل ووحدة وإنسجام البلد .. على الأقل .. إن لم يساعد التطور الفكري الطبيعي، والتجربة السياسية التراكمية، على ذلك.


أحمد فال ولد آيّاه

mederdratoday@gmail.com

الثلاثاء، 9 فبراير، 2010

محمد ولد أحمد الميدّاح
يكتب للمذرذرة اليوم
مدرسة المذرذرة .. الذكرى المئوية


يسرّني، في إطار تخليد موقعكم المحترم، لمئوية مدرسة المذرذره، أن أشارك في نفض الغبار عن هذه المؤسسة، التي تربطني بها أواصر لا إنفصام لها، منذ جئتها تلميذا في منتصف ستينات القرن الماضي، قبل أن أعود إليها بعد ذلك بسنين، معلما، ثم مستشارا تربويا، ثم مديرا، تم مفتشا، خلال فترات متفاوتة المدة، و مثيرة كلها لذكريات حلوة، لا يتسع المقام لذكرها.

أتألّم كثيرا، كلما مررت بحي "مَلْكَاشْ"، عندما أرى البنايات التي أمضيت فيها تلك السنوات الخصبة، وهي تتساقط شيئا فشيئا، حاملة معها إلى الأبد، مراحل هامة من تاريخ هذه المقاطعة، التي تعيش الآن وضعا لا تحسد عليه، جرّاء طمس معالمها، وعدم إهتمام أبنائها بها..

أجل، لقد رأت مدرسة المذرذره النور في شهر دجمبر من سنة 1910 وكان عدد تلامذتها لا يزيد على 11، وهو العدد الذي لم تستطع السلطات الفرنسية أن تحافظ عليه طويلا، لأن نفور أهل المنطقة من مدرسة النصارى، كان أقوى بكثير من الحملات الدعائية، والإكتتاب التعسّفي، الذي كان السمة المميّزة لكل بداية سنة دراسية.

وقد شهدت المدرسة مدا و جزرا، خلال سنوات، قبل أن تستقرّ بقسمين، بعد إفتتاحها بعشرين سنة، و بعدد لا بأس به من التلاميذ .. حوالي 27 حسب الوثائق.

وإني وإن تحدّثت ممجّدا لهذه المؤسسة، فإني لا أحكم على فترة تاريخية بعينها، وليس هدفي الثناء على المرحلة الإستعمارية، ولا على مناهجها الدراسية، أو مآربها السياسية، بقدر ما أتحدّث عن معْلمة كانت هي الممر المشترك لكل الرجال الذين أصبحوا بعد ذلك من أطر المقاطعة وساستها، وشاركوا بفعالية في بناء الدولة الموريتانية المستقلة.

إن عدم العناية بالتاريخ لا تساعد على بناء المستقبل، ولا تعني أكثر من العجز عن التفكير السليم .. وليس في مصلحة أحد منا هدم البنايات التي تخبّأ جزءا كبيرا من تراثنا الثقافي، ومن تاريخنا القديم والمعاصر .. وصدق الشاعر نزار قباني في قوله:

لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القد == سُ و ضاعت من قبلها الحمراءُ

وعلى ذكر المدرسة، لا يسعني إلا أن أترحّم على أرواح رجال ونساء عملوا بها بكفاءة وإخلاص، وكان لهم دور بارز في الرفع من مستواها ومن مردوديتها .. وأتذكّر منهم على سبيل المثال لا الحصر، كلا من المديريْن سيني إنجاي، وعبد الله إجياللو، وكذلك المعلمين أحمد سالم ولد باكا، أحمد سالم ولد أشفغ، زيد ولد محمد الأمين، دداه ولد عبد الملك، فطمة منت الحسن، سيلا عالي، بده ولد ححام، سيد أحمد ولد عبد الرحمن، عبد الله ولد إموه .. كما أسأل الله أن يمد في عمر السيد محمد ولد بوهم، الذي أدار المؤسسة سنوات طوال، و كان المثال الحي للمدير المثابر المخلص ..
وأخيرا .. أطلب من كل من له إسهام في تخليد هذه الذكرى، أن لا يبخل به على القرّاء، عسى أن يساهم ذلك في لفت أنظار *أهل الحل والعقد* منا إلى أهمية الحفاظ على هذه المدرسة، وإلى تاريخ المقاطعة بصفة عامة .. و الله الموفق.

mederdratoday@gmail.com
أحمد سالم ولد بوحبيني
لا أنصح باللجوء للمحاكم الموريتانية

قال نقيب المحامين الموريتانيين، الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني، إن القضاء في موريتانيا يتراجع بشكل مقلق، حيث تدار المحاكمة الجنائية من قبل النيابة العامة، التي تمثل السلطة التنفيذية، حسب تعبيره.

ويشكّل التعامل مع القضاء اليوم، بدون شك، خطأ إستراتيجيا، لا أنصح أي شخص بخوض مغامرته في أيامنا هذه، وكان من الأفضل لحنفي والآخرين أن يأتوا قبل الآن، فعلى الرغم من إنتقاداتنا، نلاحظ وبعد فوات الأوان، أن نظامنا القضائي لم يكن سيئا للغاية في السنوات الأخيرة، أو في وقت لاحق، عندما يكون قضاتنا مثل القضاة السنغاليين، منتظمين في نقابة قوية تحميهم، وغير خاضعين للضغط، ولا لسلاح مصاريف القضاء الجنائي، ولا لشبح التحويل.

mederdratoday@gmail.com

الأحد، 7 فبراير، 2010

كهرباء التاكلالت

الدكتور الشيخ ولد المختار، مدير الإستراتيجيات والبرمجة والموارد، بوكالة ترقية النفاذ الشامل إلى الخدمات، تحدّث للمذرذرة اليوم عن مشاريع الوكالة، وعن الدعم الأوروبي، الساعي إلى تحقيق أهداف الألفية للتنمية، ومشروع كهربة التاكلالت الذي كلّف أكثر من 100 مليون أوقية، ضمن مشروع Pelec لكهربة 20 مدينة موريتانية.

الشيخ ولد المختار من مواليد قرية التاكلالت سنة 1966، حاصل على شهادة الدكتوراه في الطاقة.

عاد سنة 2005 إلى موريتانيا، وعمل في مشروع المعهد التقني بمدينة روصو، بعد ذلك إلتحق بوكالة ترقية النفاذ الشامل إلى الخدمات، ليشارك فى صياغة وإعداد المشاريع الأولى، التى أعدّها ونفّذها هذا المشروع منذ إنطلاقته، ويعمل حاليا مديرا للإستراتيجيات والبرمجة وتعبئة الموارد.

أهداف تنموية شاملة...
أشار الدكتور الشيخ ولد المختار، إلى أن إجتماعات الأمم المتحدة المنعقدة خلال العام 2000 هي التي حدّدت أهداف الألفية للتنمية، وكان المؤتمر العالمي المنعقد في "جوهانسبورك" بجنوب إفريقيا، بمثابة تطوير وتأكيد لتلك الأهداف، التي لايمكنها أن تتحقق في أفق 2015 قبل ان نحقّق الأهداف المتعلقة بالنفاذ إلى الطاقة في موريتانيا، ودول أخرى تعاني مشاكل تتعلق أساسا بإنعدام مصادر الطاقة.

وأضاف أن الهدف الثاني المتعلق بضرورة التعاون الدولي، هو الضامن الأساسي للحصول على التمويلات، التي ستساهم في حل المشاكل المتعلقة بإنعدام الطاقة، ذلك أن دولة مثل موريتانيا تضم 3,500 قرية، تتوفر أقل من 1% منها على الطاقة، وهو ما يعني أن أهداف الألفية لما تتحقّق بعد.

وأكد على أن الإتحاد الأوربي، تعهّد بتمويل المشاريع المتعلقة بالطاقة، وعمل على تسهيل الوصول إلى الطاقة فى إفريقيا والكاريبي ودول المحيط الهادي، وذلك من خلال المشاركة فى مسابقة، لإختيار المشاريع الأكثر إقناعا، والتي تتقدّم بها الدول وحتى المنظمات غير الحكومية، من أجل الحصول على التمويلات، لتنفيذ تلك المشاريع، على خطوات متعددة، ويختار الإتحاد الأوربي أكثر تلك المشاريع إنتاجية وأهمية بالنسبة لهذه الدول.

وقال الدكتور ولد المختار، إنه ومنذ إلتحاقه بوكالة ترقية النفاذ الشامل إلى الخدمات، تقدّمت الوكالة بمشاريع مشابهة، وحصلت على تمويلات مجانية، يدخل ضمنها اليوم مشروع كهربة 20 قرية، 16 منها بالطاقة الكهربائية، كما هو الحال بالنسبة لبلدية التاكلالت، وأربع منها بالطاقة الشمسية.

وأكّد أن سياسة الوكالة المعتمدة في مثل هذه المشاريع، تقوم على تسليم المشروع للمسيّر، فور تدشينه، وذلك من أجل ضمان الشفافية والدقة في التسيير، ومن المفروض معرفة المسيّر الفائز، من ضمن أربع مرشّحين، خلال الأيام القليلة القادمة.

وقد عاشت مدينة المذرذرة -يقول ولد المختار- تجربة، كان لها أثرها السلبي على ميزانية الدولة، التي تكلّفت بدفع كل المصاريف المترتبة على كهربة المدينة، قبل إختيارها لمسيّر.

وأضاف أن سلطة التنظيم، هي المعنية بإختيار من يسيّر هذه المشاريع، وسيتم خلال الأسبوع القادم، تدشين مشروع كهربة التاكلالت، ونفكر في دعوة مموّلين وجهات معنية، لحضورتلك الإحتفالية، من أجل التأكيد على أهمية هذا المشروع.

وذكّر الدكتور الشيخ ولد المختار، بوضعية موريتانيا وعلاقاتها مع الجهات المانحة خلال السنوات الماضية، ولذلك فإن الوكالة تسعى جاهدة لعلاقات جدية ومثمرة مع الجهات المانحة، لضمان تمويل وتنفيذ مشاريع مستقبلية هامة، تحتاج لثقة المموّلين، ومن بين تلك المشاريع، كهربة عدة قرى، على عموم التراب الوطنى.

تمويل أوروبى مجانى...
الدكتور ولد المختار، أكّدعلى أهمية أن يعي الجميع، أن نسبة 46.51 فى المائة من مشروع كهربة 20 قرية، عبارة عن تمويل مقدّم بصفة مجانية من طرف الإتحاد الأوروبي، وذلك ما يؤكد ثقة الممولين في الوكالة، التي تسعى إلى وضع سياسة تتماشى والإرادة السياسية الساعية إلى التنمية.

وأكّد أن الوكالة نفّذت عدّة مشاريع في التاكلالت، تتعلّق أساسا بتوفير الماء الصالح للشرب في عدة قرى وتجمّعات سكنية، من بينها "بير الجودة"، و"انتركنت" و"بونعامه"... وستنفّذ عدّة مشاريع، تتعلّق بمجال تدخّلها، .. كمجال المواصلات بمقاطعة المذرذرة .. وسيكون لتلك المشاريع دور كبير في تنمية المواصلات، والبريد، وغيرها من مشاريع النفاذ إلى الخدمات.

وقال الدكتور ولد المختار، إن 95% من سكان بلدية التاكلالت، سيستفيدون من خدمات الكهرباء، وأن توفير الكهرباء، يجب أن تكون له مردودية على هذه القرى، وأن تتم الإستفادة منه في مشاريع الزراعة والصناعة والورشات التنموية المختلفة، والتي يجب أن يكون لها إنعكاس على حياة المواطنين، وتحسين لظروف معيشتهم اليومية، طبقا لأهداف الألفية للتنمية، متمنّيا أن لا تنحصر الإستفادة من الكهرباء على الإستهلاك الشخصي الخصوصي فقط، مؤكدا أن النشاط الزراعي في التاكلالت، يمكن أن يتطور، ويستفيد أكثر، بفضل تزويد القرية بالكهرباء، وأن يساهم إلى حد كبير في تنمية البلدية والمقاطعة.

وأكد أن مشروع كهربة قرية التاكلالت، سيساهم في تثبيت السكان في أماكنهم الأصلية، والتحسين من ظروفهم العامة .. إذ أن التحديات التي تواجهها بلدية التاكلالت اليوم، تكمن في نزوح غالبية مواطنيها إلى المدن الكبيرة، ولذلك سيساهم هذا المشروع في حل مشكلة الهجرة، وفي عودة أبناء المدينة إليها، كما سيحفّز مشروع كهربة القرية، الأساتذة والمعلّمين والأطباء على العمل في القرية.

وأشار إلى أن وكالة ترقية النفاذ الشامل إلى الخدمات، تتمتّع بالثقة من قبل الممولين الدوليين، ومن أكبر مشاريعها، تلك المتعلّقة بتوفير الماء الصالح للشرب، وكهربة المدن، وتنفّذ بتمويل من الإتحاد الأوروبي، والصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي ..

وأكد أن الوكالة تسعى دائما للبحث عن مشاريع ملموسة لدعمها وتنفيذها، خدمة لأهداف الألفية للتنمية، مشدّدا على أن الوكالة تعمل من أجل نيل ثقة شركائها في التنمية، ولذلك فهي تسعى إلى إشراك المجتمع المدني، والجهات المحلّية، وقد تأكد ذلك -يضيف الدكتور ولد المختار- بإشراك بلدية التاكلالت- وتشجيعها على الإشراف على هذا المشروع، وهي التي تقدّمت بلائحة تضم 204 من الأسر الأقل دخلا، سيتم إعفاؤها من رسوم الإشتراك في الكهرباء.

وأعرب الدكتور الشيخ ولد المختار، عن إمتنانه للإتحاد الأوربي، الذي تعهّد بتمويل المشاريع المتعلّقة بالطاقة، من أجل تسهيل تحقيق أهداف الألفية للتنمية.

من جهة أخرى، عبّر ولد المختار، فى ختام المقابلة، عن إعجابه ب "المذرذرة اليوم"، وإعتبرها مشروعا متميزا، يساهم في تنمية المقاطعة، قائلا إن عدة قرى ومدن، ستكون بالنسبة لها تجربة تحتذى، وستبقى الأسبقية للقائمين على "المذرذرة اليوم".

أعدّ المقابلة
الشيخ أحمد ولد الكريم

نص المقابلة الأصلي باللغة الفرنسية
ترجمة فريق المذرذرة اليوم

mederdratoday@gmail.com

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

تنبؤات أستاذ تاريخ

كان أستاذنا لمادة التاريخ في الصف الثالث إعدادي، يكرر دائما .. أنه لابد أن يأتي ذلك اليوم الذي يصل فيه إلى السلطة، قائد "ملهم"، يعمل على تغيير كل رموز السيادة الوطنية، بدءا بالعملة والعلم، وإنتهاءا بالنشيد الوطني.
ويضيف الأستاذ -الذي كان يستشرف المستقبل بنظرة، تبيّنّا فيما بعد، أنها كانت صادقة وثاقبة- إن دوامة الإنقلابات، والإنقلابات المضادة التي تعيشها موريتانيا، ستأتي لامحالة يوما، برئيس نرجسي مؤمن بذاته إلى حد العبادة، لايهتم للجهة ولا للقوم، هدفه الوحيد، ربط حاضر ومستقبل البلاد بإسمه، من خلال إحداث تغيرات كبيرة، لا يهم إن كانت إيجابية أم سلبية، المهم أن تكون شاملة، وجذرية، وتطال حتى الرموز الوطنية العليا.
كنا في الفصل نعتقد أن هذه الأفكار مجرد تجليات للنظرة التشاؤمية المعهودة لدى مدرّسي مادة التاريخ، لكن الخطوة التي أقدم عليها النظام الحالي، بإجراء تغييرات شكلية على قطع العملة المعدنية، وما تلاها من دعوة أحزاب الأغلبية الرئاسية -التي تحاول دائما عقلنة، وتشريع طموحات الرئيس، وترجمتها في واقع مقبول- إلى تعديل الدستور، وتغيير العلم والنشيد الوطنيين، لم تترك مجالا للشك في صدق تلك التنبؤات.
وتشكل المطالبة بتغيير الرموز الوطنية سابقة خطيرة في تاريخ البلد، نظرا لما تمثّله من إهانة لهيبة الدولة، ومساس بقدسيتها، الأمر الذي لم تجرأ عليه أكثر الأنظمة المتعاقبة على البلد دكتاتورية وتسلطا.
فليس العلم الوطني الذي رفرف عشرات السنين خفاقا على رؤوس الموريتانيين، يافطة لمرحلة سياسية معينة، أو لنظام بعينه، كما أن النشيد الوطني ليس أغنية تنشد لإرضاء الجمهور وإطرابه، بل هما كم تراكمي من تاريخ البلد، ووعاءا إنصهرت فيه أحداث هذا التاريخ وشخوصه بطريقة رمزية رائعة.
فماذا سنقول -لو غيّرنا هذه الرموز بالطريقة الإرتجالية التي تمّت الدعوة لها- للأجيال المتعاقبة، التي دار عليها الزمن وهي تردد النشيد، وترفع العلم، وكيف نبرّر ذالك لمئات الجنود ممن إستشهدوا تحت هذه الراية، دفاعا عن الوطن، وكانت كلمات النشيد الهادفة والمعبرة، تملأ حناجرهم، وتشعل فيهم جذوة الحماس للذود عنه، والإستماتة في سبيله ؟
ويبقى إحترام هذه الرموز، والدفاع عنها، مسؤولية الجميع، بعيدا عن محاولات "التجديد" المتأصّلة في أغلبيتنا المتجددة.
****
إمربيه ولد الديد

mederdratoday@gmail.com